(1)
بينما يسير مع أحمد وقع بصره عليها .. جذبته العيون المرهقة والجسد الشيق و شيئا ما يعجز عن تفسيره..أقترب منها وبدأ يغازلها،أسرعت الخطى هاربةً منه،قال له أحمد:
- هيا بنا يا محمود ،لا وقت لدينا لنضيعه.
فى ذلك الزمن كان لا يزال في الخامسة عشر من عمره ..يغتنم أي فرصة للفرار من المدرسة مع أحمد للعب كرة القدم ..يعرف أن بانتظارهما مباراة هامة اليوم ولكن سحر الفتاة سيطر عليه فاستمر في مطاردتها.. حين أقترب منها سألها عن اسمها ، ردت بكلمة واحدة وبوجه ينطق بالغضب:
- طاعـــــــون.
انفجر أحمد ضاحكاً بحيث جذب انتباه المارة وكان وجه محمود المحمّر كافياً لتوضيح الأمر لهم ..صاح بأحمد:
- هل تضحكك الكلمة إلى هذا الحد ؟أنها مجرد فتاة قروية.
أحمد: توقعت أن تقول ( يا سم ) ولكن ( طاعون ) أكثر قوة.
محمود: أعرف إنك لن تتوقف حتى تخبر الجميع بما حدث.
أحمد: لا تنزعج، فقط قل لي هل قصدت الدعاء عليك لتصاب بالطاعون أم قصدت القول أن اسمها (طاعون) ؟
محمود: ظريف !!
ربما قصدت الفتاة الدعاء عليه.. لكنه لم يصب بالطاعون أو أيا من الأوبئة الأخرى ..فمع كل اللقاحات التى تلقاها منذ طفولته أصبح لجهازه المناعي قوة ردع ضد شلل الأطفال والجدري والسعال الديكى والحصبة وغيرها.
(2)
في العام 1942 خيم الرعب على شوارع بكين .. وجوه الناس المصفرة ازدادت اصفرار...خطواتهم صارت أكثر بطئاً...عيونهم فقدت بوصلتها فصارت زائغة بين السماء والأرض إذ ربما يلقى اليابانيون قنابلهم في أي وقت .. شبح الموت زرع الكآبة فى نفوس الجميع إلا أن ( ماو) كان يحمل وجهاً باسماً وهو يعبر الشارع بسرعة ليصل إلى تلك الحديقة العامة ..يعرف طريقه جيداً ...طريق البنفسج.
كل أسبوع يأتي إلى الحديقة..يغافل حارسها ويقطف زهور البنفسج ليقدمها لها ..منذ أخبرته بعشقها للبنفسج وهو لا يدخر جهداً لإثارة إعجابها،يلقاها كل أسبوع بوجه باسم.. وقلب تسكنه الأشواق ..وباقة من البنفسج.
ربما تحبه كما يحبها ولكنه يعجز في كل مرة عن التصريح لها بحبه ،الحقيقة أنه لا يتحدث كثيرا ًحين يكون معها..كلماتها الساحرة تسلبه قلبه ولسانه ..الأسبوع الماضي قالت له:
- لا تتعب نفسك لتحضر المزيد من البنفسج،أتعرف؟
ماو: ماذا؟
- كلما ألقاك أحس بأن زهور البنفسج تسقط من السماء كالأمطار لتغطى الشوارع وأسطح البيوت و..كل شئ.
كان قد دخل الحديقة عندما سمع ذلك الأزيز ،صاح بصوت مسموع :
- لا وقت للغارات .
ساد الهلع ..تدافع الجميع إلى المخابئ بينما سار هو في طريق البنفسج وكأن شيئاً لم يكن..أخذ يفكر في وجهها وفى السماء التي تمطر زهوراً وقرر أن يصارحها بحبه حين يلقاها..
أخيراً وصل إلى حيث البنفسج ..مال ليقطف أحدى الزهور وفجأة..
أمطرت السماء فئراناً.
(3)
قرأ محمود الكثير عن الطاعون وتوقف طويلاً عند المحاولة اليابانية لنشر الوباء فى الصين أثناء الحرب العالمية الثانية بإلقاء مئات الألوف من الفئران على المدن الصينية ، صار يعرف الطاعون كما يعرف أبنائه .. يخبر كل من يلقاه عنه .. يحدثهم عن البكتريا الخبيثة التى تغلف نفسها ببروتين تنتجه ليكون درعاً فى مواجهة هجوم الجهاز المناعى .. يشرح كيف يسقط المريض صريعاً وهو يغلى من الحرارة وقد تشنجت أطرافه وأربد وجهه واكتسحت جلده آفات نمشية وكدمات حولته إلى لون قاتم مسود .. يملأ الأسى صوته وهو يقول:
- زار الطاعون كل بلاد العالم ، قضى على دول بأكملها وفى القرن الرابع عشر قضى على نصف سكان أوربا ومنذ ذلك الحين يسمونه هناك الموت الأسود.
لا يهتم كثيراً لتعليقات المستمعين .. بعضهم يسأل الله النجاة وبعضهم ينصرف ويتركه ،لا يهتم .. يشعل سيجاراُ ويغلق عينيه ويقول:
- المرض تنقله البراغيث من الفئران إلى الإنسان ، وحين يلدغك برغوث يحمل المرض فأعلم أن ما سيتبقى من أيام عمرك لن يتجاوز عدد أصابع يديك.
يشعر الكثيرون بالضيق فينصرفون ، أحياناً ينفض الجميع عنه ولكنه لا يتوقف ... يشرح كيف تبدأ أعراض المرض بارتفاع الحرارة الذي يتحول إلى حمى وكيف يحس المريض بغثيان دائم ورجفة وآلام فى العضلات والمفاصل والحلق والبلعوم وتورم فى الغدد الليمفاوية القريبة من مكان لدغة البرغوث ..لا تلبث تلك العقد الليمفاوية القريبة أن تنز دماً ثم.. يأتي الموت.
يصرخ فيهم :
- لا أحد ينجو من الطاعون !! جنود الأسكندر ونابليون ماتوا بالطاعون .. لا أحد ينجو .. حين يأتي الطاعون يهيم الناس عرايا فى الشوارع يطلبون أى وسيلة للشفاء ، يقال إن الاضطرابات الذهنية أحد أعراض المرض ولكن صدقوني أنه الأمل هو الذي يدفعهم لذلك .. فى تلك الحالة تكون أى وصفة للعلاج مقبولة .. مركبات اليود والزرنيخ ، ضمادات الحشيش والأفيون ، نقيع لحاء الأشجار ، دماء العجول .. البراز !! ستلجأ إلى أى شىء..
إلى الله إلى الجن أو.. إلى الأرواح ..
إلى أى شئ.
(4)
منذ ماتت زوجته تسلل فأر الوحدة إلى حياته .. عام بأكمله وهو يرقد فى تابوت الأحزان.. أبنائه حاولوا التسرية عنه وفشلوا، يقول الناس أن الحاج محمود قد جن ، يتغامزون وهم يشاهدون رحلته اليومية إلى قبر زوجته ، رحلة تبدأ صباحاً وتنتهي عند الغروب .
الأطفال يخيفهم ذلك العجوز النحيل ، تخيفهم بشرته المسودة ومشيته المترنحة ومع ذلك يتسللون إلى المقبرة.. ينظرون من خلال فتحات السور الخشبي إليه وهو يدلف إلى هناك ... يسقط صريعاً عند قبر زوجته ... يظل يتمتم كالمحموم طوال النهار .. يرتعش جسده النحيل بين الفينة والأخرى .. محمود يعرف أنهم يراقبونه ولا يهتم ، فبينما يرقد على الأرض ، ترقد هى بجواره باسمة ، يخبرها عن كل شىء .. يشكو لها من معاملة الناس له يقول :
- لا أحد يفهمني حتى أبنائنا لا يريدون أن يصدقونني ، بالأمس أتوا إلى وطلبوا منى أن ألزم البيت كى لا أسبب لهم المزيد من الإحراج ، اضطررت أن أخبرهم عن سرنا وكيف أنني ألتقي بكِ كل يوم ونتحدث..لم يصدقوني.
تنسال دمعة من عينه فتمد يدها وتمسحها ، يمسك باليد الحنونة ويقبلها يقول :
- أحبك ، أحببتك منذ رأيتك وسأحبك دوماً ، أتذكرين لقاءنا الأول ؟
تبتسم وتقول :
- طاعـــــــون .

إرسال تعليق